نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
وداعاً د. مطلب النفيسة.. مهندس التشريع وبوصلة الاتزان - ايجي سبورت, اليوم الجمعة 28 مارس 2025 01:42 صباحاً
ايجي سبورت - بعض الرحيل لا يُطرق بابه، ولا يُمهّد له بضجيج، بل يأتي في صمتٍ مهيب، كأنّ الفقد ذاته يتهيّب من مكانة الراحل. هذا ما شعرنا به برحيل الدكتور مطلب بن عبد الله النفيسة، أحد القلائل الذين استطاعوا أن يجمعوا بين فقه القانون وحنكة الدولة، بين عمق المعرفة واتزان القرار.
لقد كان الدكتور مطلب رحمه الله مهندساً للتشريع، يخطّ نصوصه كما يخطّ المعماريُّ ملامح قصرٍ وطني، يرسم فيه المبادئ، ويؤسس للأسس، ويزن كل كلمة بميزان الدولة والمجتمع. لم يكن مجرد رجل قانون، بل كان بوصلته، يردّ الضال ويهدي الحائر، ويصوّب المسار دون صخب أو ادعاء.
لم يكن الحضور القانوني للدكتور مطلب في أجهزة الدولة نتاج منصب طارئ أو فرصة عابرة، بل كان ثمرة مسيرة طويلة بدأت عام 1382هـ (1962م) حين التحق بمجلس الوزراء مستشاراً قانونياً، ثم نائباً لمدير عام معهد الإدارة العامة، بالتوازي مع ممارسته لمهنة المحاماة. وحين اختار طريق التحصيل العلمي، لم يرضَ إلا بالقمة، فنال درجتي الماجستير والدكتوراه في القانون من جامعة هارفارد، وعاد بعقلٍ مؤصل وفكرٍ عالمي ليخدم وطنه بعزيمة العلماء وولاء رجال الدولة.
في عام 1395هـ (1975م)، تولّى رئاسة شعبة الخبراء في مجلس الوزراء، وهي المحطة التي ارتبط بها اسمه وارتبطت به، حتى تحولت رسمياً إلى «هيئة الخبراء» عام 1414هـ (1994م)، في لحظة تحوّل لم تكن مجرد تعديل اسم، بل اعتراف بدورٍ مؤسسي صنعه رجلٌ بعقله وفكره وحكمته.
وفي عام 1415هـ (1995م)، جاء التكريم الأكبر بتعيينه وزيراً للدولة وعضواً في مجلس الوزراء، المنبر الأرفع لصناعة القرار، فكان فيه صوت العقل القانوني المتزن، وضمير الدولة حين تشتد الموازنات، وحكيمها حين تختلط الرؤى. لم يكن صوته عالياً، لكن حضوره كان وازناً، يزن القضايا بميزان النص القانوني، ويرى في النص روح الدولة لا حروفها فقط.
على مدى عقود، ظلّ الدكتور مطلب حاضراً في مشهد القرار، لا بصفته التنفيذية فقط، بل بقيمته الفكرية والإنسانية. كان من رجالات الدولة الذين آمنوا بأن القانون ليس نصاً جامداً، بل روحٌ تُدار بعدل، وتُفعّل بحكمة، وتُحمى بإرادة. وفي كل موقع شغله، ترك بصمة راسخة، وسيرة نقيّة، وإرثاً لا يُنسى.
برحيله، لا تفقد المملكة رجلاً بارزاً فحسب، بل تُطوى صفحة من صفحات التوازن الرشيد بين المعرفة والقرار. لقد كان بوصلةً في زمن التحولات، ورمزاً للاتزان في زمن التوترات، وركناً من أركان المدرسة السعودية في التشريع والإدارة.
لكن العزاء أن الكبار لا يرحلون بالكامل. فبعض الرجال، تبقى آثارهم أبلغ من كلمات رثائهم، تبقى أفكارهم ومواقفهم ونزاهتهم شواهد حية في ذاكرة وطن.
رحم الله الدكتور مطلب النفيسة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
أخبار ذات صلة
قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى هذا المقال : وداعاً د. مطلب النفيسة.. مهندس التشريع وبوصلة الاتزان - ايجي سبورت, اليوم الجمعة 28 مارس 2025 01:42 صباحاً
0 تعليق