نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خريطة جديدة للعالم - ايجي سبورت, اليوم الجمعة 28 مارس 2025 11:18 مساءً
ايجي سبورت - إنّ أخطرَ ما في الحقيقة ليس أن تُقال، بل أن تُقال في وجه العالم وهو يبتسم. لقد فعلها دونالد ترامب، الرجل الذي لم يأتِ بجديد، بل فجّر القديم بكلمة. لم يبتكر سياسة، بل جهر بها. لم يُخفِ النوايا، بل حوّلها إلى عناوين إخبارية. لم يهمس كما يفعل الساسة، بل صاح: "نأخذ غزة في ساعتين"، "نستطيع ضم كندا"، "نفطهم لنا".
كانت تلك العبارات، على فجاجتها، أكثر صدقًا من الكذب المغلّف بالنعومة الدبلوماسية. فترامب لم يفضح نفسه، بل فضح نظامًا دوليًا بأسره، أثبت أنه قائم على الخداع المتبادل، لا على القانون. قالها أحد المفكرين: "الشر حين يُقال بوقاحة، يصبح أكثر إقناعًا من الخير المغلّف بالنفاق." ترامب فهم المعادلة، وفكّك المعبد على رؤوس الكهنة. لقد عرّى الأمم المتحدة، لا بوصفها مؤسسة فاشلة فحسب، بل كرمزٍ انتهت صلاحيته. فمنذ أن أصبحت القرارات تُصاغ في غرف المصالح، لا في قاعات التصويت، تحوّلت المنظمة إلى أثر باهت. وكان لا بدّ لأحدهم أن يقرأ الفاتحة، فاختار ترامب أن يكتب النعي بصوته العالي.
والمفجع أن العالم لم يُصدم، بل ابتلع التصريحات كما تُبتلع الحبة المُرّة: يدرك أنها قاتلة، لكنه مضطر. لا مظاهرات، لا بيانات شرف، فقط اعتراضات شكلية تؤكد أن الحضور كان صوريًا، والغياب أصدق. لقد تحوّل النظام الدولي إلى شبح سياسي، تحرسه ديباجات ماتت مفرداتها. ما تبقّى هو منطق الغلبة. وإن كانت الأمم المتحدة قد وُلدت من رماد حربين عالميتين، فإن تصريحات ترامب قد تكون شهادة الوفاة قبل اندلاع الثالثة، تلك التي لا تحتاج إلى مدافع، بل إلى "وقاحة منظمة". قالها بوضوح لم يجرؤ رؤساء قبله على النطق بها: العالم يُدار بالصفقات لا بالشرعية، بالقوة لا بالحق، وبمن يملك "زرًّا" لا "حجّة".
ولعلّ ما كشفه ألكسندر دوغين، الفيلسوف الروسي الأقرب إلى ظلّ الكرملين، يُكمل الصورة بحدة فلسفية: خريطة جديدة للعالم تُرسم بجرأة، يتقاسمها ترامب وبوتين. كندا وجرينلاند للولايات المتحدة، وبلاروسيا ودول البلطيق وأجزاء من أوروبا الشرقية لروسيا. أما أوكرانيا، فهي روسية، لا تحتاج إلى نقاش. لكن القضية لا تقتصر على تبادل مناطق النفوذ، بل تتعدّاها إلى إعادة نحت العالم كما لو كان طينًا بين يدي قوتين إمبراطوريّتين. فكما يؤكد دوغين، نحن أمام لحظة إعادة صياغة للنظام العالمي من أساسه، نحو نظام متعدد الأقطاب، تتقدّمه أمريكا وروسيا، وتراقبه الصين والهند بطموح حذر ، والغرب يتلاشى، لا تحت القصف، بل بتواطؤ الزعماء.
والأدهى، أن ما قاله ترامب امتد حتى إلى الرصاصة التي أودت بحياة الرئيس الأمريكي جون كينيدي. لم تسلم هي الأخرى من فظاظة الكشف، حين قالها صراحة: "حتى هذه كانت جزءًا من اللعبة." عبارة واحدة، لكنها كانت كافية لفضح نصف قرن من التعتيم. فما الذي تبقّى من فكرة العالم المتحضّر؟ أين يقف القانون حين يصفعه الجنون المنظّم؟ وهل نثق بمستقبل، حين تحكم أقوى دولة في العالم بما يُقال بجرأة، لا بما يجب أن يُقال؟ هذا ليس جنونًا فرديًا، بل لحظة انكشاف تاريخي. إنه خطاب ما بعد الحقيقة، وعالم ما بعد الأمم المتحدة. إنه زمن الصراحة الموجعة... حيث الحقيقة لا تُبرّر شيئًا، بل تقتل كل شيء. فإذا كانت الكلمات مرآة، فإن ترامب لم يتكلّم، بل رفعها لنا. ولعلّ على العالم، أخيرًا، أن ينظر في وجهه... دون أن يُزيح عينيه.
0 تعليق