نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تجميد البطاقات الائتمانية الحكومية في بريطانيا: خطوة تقشّفية أم إصلاح مالي ضروري؟ - ايجي سبورت, اليوم الجمعة 21 مارس 2025 10:19 صباحاً
ايجي سبورت - في خطوة تعكس توجّه الحكومة البريطانية نحو ضبط الإنفاق العام، أعلنت السلطات عن تجميد استخدام البطاقات الائتمانية الحكومية، مبرّرة القرار بالقلق من سوء الاستخدام والتضخم الكبير في حجم الإنفاق عبر هذه البطاقات خلال السنوات الأخيرة. وفقاً للخبير الاقتصادي علي متولي، استشاري في شركة Ibis للاستشارات ومقرّها لندن، فإن هذا القرار يأتي استجابةً لزيادة الإنفاق عبر البطاقات الحكومية من 155 مليون جنيه إسترليني في 2020-2021 إلى أكثر من 675 مليون جنيه استرليني في 2024-2025 – أي أكثر من أربعة أضعاف خلال أربع سنوات.
أسباب التجميد وتأثيره على المالية العامة
يؤكد متولي في حديثه لـ"النهار"، أن "الزيادة الكبيرة في الإنفاق عبر هذه البطاقات جعلتها تشكل عبئاً متزايداً على المالية العامة، رغم أنها لا تزال جزءاً صغيراً نسبياً من إجمالي الإنفاق الحكومي السنوي، الذي يتجاوز تريليون جنيه استرليني. إلا أن هذا الارتفاع يعكس نمطاً غير منضبط في الإنفاق الحكومي، ما دفع الحكومة إلى اتخاذ القرار كجزء من حملتها لمكافحة الهدر المالي وضمان توجيه الأموال العامة نحو الأولويات الحقيقية".
التجميد، بحسب الحكومة، يأتي في سياق جهود أوسع لضبط العجز المالي المتفاقم، إذ من المتوقع أن يبلغ 5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025. ومع ذلك، فإن تأثير القرار على العجز سيظل محدوداً، حيث سيوفر فقط ما يعادل 0.03-0.05% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم ضئيل بالمقارنة مع إجمالي العجز الحكومي. إلا أن الأهمية الكبرى للقرار تكمن في الرسالة التي يبعثها للأسواق والمستثمرين، مفادها أن الحكومة جادة في ضبط الإنفاق وتحقيق الاستقرار المالي.
تأثير التجميد على الجهات الحكومية والخدمات
سيمتد تأثير القرار إلى مختلف الوزارات والهيئات الحكومية التي كانت تعتمد على هذه البطاقات لتغطية نفقاتها التشغيلية. ومن بين الجهات الأكثر تأثراً، وفقاً لمتولي، وزارات مثل الصحة والتعليم، وكذلك وزارة الخارجية والكومنولث التي تستخدم البطاقات في تغطية نفقات السفر الرسمي والتمثيل الديبلوماسي. في بعض الحالات، كُشف سابقاً عن إسراف في الإنفاق على الإقامات الفاخرة والمصاريف غير الضرورية، ما يعزز مبررات القرار.
إلا أن التطبيق العملي للقرار قد يفرض بعض التحديات. فمثلاً، يمكن أن يؤدّي إلغاء البطاقات إلى تعطيل بعض عمليات الشراء السريعة التي كانت تسهّل العمل الحكومي، ما يستدعي إيجاد بدائل مثل تعزيز أنظمة الشراء الإلكتروني، وإعادة استخدام طرق الدفع التقليدية مع فرض رقابة أكثر صرامة. في المقابل، يمكن أن يسهم القرار في ترسيخ ثقافة إنفاق أكثر انضباطاً داخل المؤسسات الحكومية، بما يقلل الهدر المالي ويعزز التخطيط المالي المستدام.
هل هناك بدائل أكثر فاعلية من التجميد الكامل؟
بينما يُعدّ تجميد البطاقات خطوة مباشرة لضبط الإنفاق، يشير الاستشاري في شركة Ibis للاستشارات، إلى وجود بدائل أكثر استدامة يمكن أن تحقق الهدف ذاته دون الحاجة إلى إلغاء البطاقات تماماً. من بين هذه البدائل:
– فرض حدود قصوى على الاستخدام: بدلاً من الإلغاء الكامل، يمكن للحكومة وضع سقف شهري أو سنوي لكل بطاقة، بحيث يتم إيقافها تلقائياً عند تجاوز الحد المسموح به.
– تعزيز الشفافية والرقابة: يمكن للحكومة نشر تقارير دورية حول إنفاق البطاقات الحكومية، ما يعزز الرقابة الشعبية والإعلامية، ويجعل أيّ إسراف غير مبرّر عرضة للمساءلة.
– إصلاح نظام المشتريات الحكومية: يمكن استبدال البطاقات بأنظمة شراء مركزية تتيح للحكومة الحصول على أسعار أفضل عبر عقود جماعية مع الموردين، مما يقلل التكاليف الإجمالية ويحسن الكفاءة.
– زيادة الإيرادات بدلاً من تقليص النفقات فقط: بدلاً من الاقتصار على إجراءات التقشف، يمكن للحكومة التركيز على تحسين الإيرادات عبر إصلاحات ضريبية، ومكافحة التهرّب الضريبي، وبيع بعض الأصول غير الأساسية.
تجميد البطاقات كجزء من سياسة تقشف أوسع
لا يمكن النظر إلى قرار تجميد البطاقات بمعزل عن التوجّه الأوسع للحكومة نحو التقشف المالي، يقول متولي، فمنذ فترة، تعمل السلطات البريطانية على تقليص الإنفاق الحكومي، بما في ذلك خطط لتقليل تكاليف الرعاية الاجتماعية وتجميد التوظيف في القطاع العام. وتشير التوقعات إلى أن النموّ في المصروفات الحكومية سيكون محدوداً للغاية بعد 2025، مع احتمال حدوث تخفيضات تصل إلى 9 مليارات جنيه إسترليني في بعض القطاعات.
وبحسب وكالات التصنيف الائتماني، مثل فيتش وستاندرد أند بورز، فإن هذه الإجراءات تعزز الثقة باستدامة المالية العامة لبريطانيا، حيث ثبتت التصنيفات الائتمانية للبلاد عند مستويات مستقرة. ومع ذلك، فإن استمرار التقشف قد يثير مخاوف بشأن تأثيره على النموّ الاقتصادي ورفاهية المواطنين، خاصةً إذا أثّر سلباً على الإنفاق الاجتماعي والاستثمارات العامة.
في المحصّلة، يمثل تجميد البطاقات الحكومية خطوة رمزية ومحدودة التأثير على العجز المالي، لكنها تعكس التزام الحكومة البريطانية بإجراءات تقشفية أوسع تهدف إلى ضبط المالية العامة. وبينما يرى البعض أن هذه الخطوة ضرورية للحد من الهدر وتعزيز الشفافية، يحذر آخرون من أن الحلول الأكثر فاعلية تكمن في إصلاحات هيكلية طويلة الأمد تعالج جذور المشكلة بدلاً من الاكتفاء بإجراءات تقشفية مؤقتة.
في النهاية، نجاح القرار سيتوقف على كيفية تطبيقه، وما إن كانت الحكومة ستتبنى إصلاحات شاملة لضبط الإنفاق الحكومي دون الإضرار بجودة الخدمات أو النموّ الاقتصادي.
0 تعليق